كلاش بريس / عمر الشاشي
في زمنٍ تتداخل فيه الحقائق بالادعاءات، ويختلط فيه الصادق بالمزيّف، برزت موجةٌ من الخطابات التي ترفع شعار محاربة “الشناقة”، غير أن التمحيص في مضمونها يكشف مفارقة مؤلمة، إذ تتحول هذه الدعوات في كثير من الأحيان إلى سهامٍ موجهة نحو الكساب البسيط بدل أن تصيب أهدافها الحقيقية. ذلك الكساب الذي يقضي أيامه ولياليه في الحقول والمراعي، لا يطلب سوى أن يحصد ثمار تعبه بعد عامٍ طويل من الصبر والمعاناة.
الكساب في جوهره لم يكن يوما مجرد فاعل اقتصادي عابر، بل هو جزءٌ أصيل من نسيج المجتمع القروي، وركيزة من ركائز الأمن الغذائي. حياته لا تُقاس بالأرقام ولا تُختزل في حسابات الربح والخسارة، بل تُقاس بقدرته على الصمود في وجه ظروف طبيعية قاسية، حيث الشمس الحارقة في الصيف والبرد القارس في الشتاء، وحيث تتضاعف التكاليف مع ارتفاع أسعار الأعلاف وتقلص الموارد. ومع ذلك، يواصل هذا الرجل عمله بصمت، دون ضجيج ولا ادعاء، لأنه يدرك أن قوته في صبره، وأن كرامته في عرقه.
في المقابل، ظهرت فئة جديدة تتقن فن استثمار المآسي وتحويلها إلى مادة للاستهلاك الرقمي. لم تعد المعاناة بالنسبة لهؤلاء قضية إنسانية تستدعي التضامن، بل أصبحت وسيلة لتحقيق الانتشار وجني الأرباح. تُلتقط الصور بعناية، وتُصاغ القصص والروايات بأسلوبٍ يستدر العواطف، لتتحول معاناة الفقراء والأيتام إلى محتوى قابل للترويج، يُدرّ المشاهدات ويجلب التفاعل. وما يثير الاستغراب أن بعض هؤلاء يتخذون لأنفسهم موقع الواعظ، فينصبون أنفسهم قضاةً على غيرهم، ويوجهون أصابع الاتهام إلى الكساب، متناسين الفارق الشاسع بين من يعيش على عرقه ومن يعيش على استغلال آلام الآخرين.
إن الخلط بين الكساب والشناق ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو ظلمٌ بيّن يطال فئةً تعيش في الهامش وتكافح من أجل البقاء. الكساب لا يحتكر الأسواق ولا يعبث بالأسعار، بل يجد نفسه في كثير من الأحيان ضحية لتقلباتها، يبيع بثمنٍ لا يعكس حجم التضحيات التي بذلها، ويشتري الأعلاف بأسعارٍ تثقل كاهله. ومع ذلك، يظل متشبثًا بأرضه وبحرفته، لأنها تمثل بالنسبة له أكثر من مصدر رزق، إنها هوية وانتماء.
أما الشناق الحقيقي، فهو ذاك الذي يتقن التموقع في مناطق الظل، حيث تتداخل المصالح وتغيب الشفافية، أو ذاك الذي يرتدي قناع التعاطف ليخفي وراءه تجارةً قائمة على استغلال مشاعر الناس. هذا النموذج لا يهدد فقط التوازن الاقتصادي، بل يضرب في العمق قيم التضامن والصدق، لأنه يحوّل العمل الإنساني إلى سلعة، ويُفرغ المبادرات النبيلة من مضمونها.
إن الدفاع عن الكساب ليس دفاعًا عن فردٍ بعينه، بل هو دفاع عن قيمة العمل الشريف في وجه ثقافة الاستسهال والربح السريع. هو تذكير بأن المجتمع الذي يُهمل من يكدّون في صمت، ويُفسح المجال لمن يتاجرون في الأوهام، إنما يساهم في قلب موازين العدالة، ويُضعف أسس الثقة بين أفراده.
لذلك، فإن أي نقاش جاد حول محاربة الشناقة يجب أن ينطلق من تشخيص دقيق للواقع، بعيدًا عن الشعبوية والتعميم. لا يمكن بناء عدالة حقيقية على حساب الحلقة الأضعف، ولا يمكن إصلاح الاختلالات باستهداف من يُنتجون بدل من يستغلون. الطريق إلى الإنصاف يمر عبر حماية الكساب، وتثمين جهوده، وفضح كل أشكال الاستغلال التي تتخفى خلف شعارات براقة.
في نهاية المطاف، يبقى الفارق واضحًا بين من يزرع التعب ليحصد الكرامة، ومن يزرع الوهم ليحصد التفاعل. الأول يصنع الحياة في صمت، والثاني يقتات على صورها في ضجيج. وبين هذا وذاك، يظل السؤال معلقًا حول أي نموذج نريد أن نمنحه الشرعية في مجتمعٍ يبحث عن التوازن والعدالة.


















