عبد الله عياش
لاشك ان المغاربة او أغلبهم يعتصرون مرارة وهم يتابعون كيف يتم سحق تعابير من القاموس السياسي المغربي خلال العقود الماضية
ظاهرة عجيبة تتمثل في القدرة على التخلّص من المصطلحات المحرِجة كلما أصبحت أكثر التصاقاً بالواقع وأكثر إزعاجاً لمراكز النفوذ.
ولعل المثال الأبرز في السالف ذكره هو المقولة الشهيرة: “من أين لك هذا؟” التي شكّلت لسنوات طويلة نوعاً من العزاء النفسي الجماعي للمغاربة، إذ كانت تمنحهم على الأقل حق السؤال في مقابل صمت المؤسسات.
غير أن هذا السؤال، الذي كان يُحرج كثيراً من المسؤولين، عرف طريقه إلى “الانقراض التشريعي” حين تم القفز على قانون الإثراء غير المشروع، وهو القانون الذي كان من المفروض أن يجسّد أحد مظاهر الرقابة الحديثة على المال العام. وقد مثّل هذا القفز إيذاناً بمرحلة جديدة: مرحلة التحرر من عبء المساءلة، حيث صارت الثروة الفاحشة مسألة عادية، ومصادر الأموال بنداً غير قابل للنقاش، وكأنّ الشفافية رفاهية زائدة عن الحاجة.
فرح اصحاب الملايير ..وزف لهم اليقين ان ثروتهم لن تمر تحت سكانير الافتحاص غير ان التاريخ السياسي لا يترك فراغاً؛ فسرعان ما ظهر مصطلح جديد ليشكّل مصدر إزعاج آخر إنه : “تضارب المصالح”.
هذا المفهوم، خلال الشهور الأخيرة اثار نقاشاً واسعاً بعدما طفا إلى السطح تورّط عدد من الفاعلين والمسؤولين في ممارسات تُظهر تداخل المال بالقرار، والصفقات بالعلاقات، والمصالح الخاصة بالمصالح العامة. وبما أن هذا النقاش بدأ يلامس خطوطاً حمراء، فقد صار المصطلح بدوره مرشحاً لـ”الإخصاء التشريعي” تماماً كما حدث مع الإثراء غير المشروع.
إذا كانت بعض الجهات قد وجدت “حلاً سحرياً” لإقبار الإثراء غير المشروع، فما المانع من استعمال الوصفة نفسها لإزالة “تضارب المصالح” من التداول؟ …يمكن بكل بساطة — وفق المنطق السائد — سنّ نص تشريعي يجعل تضارب المصالح “حالة طبيعية للتدبير العمومي”، أو اعتباره آلية مبتكرة لجلب الاستثمار العائلي، أو ربما إدراجه ضمن خانة “التعاون الأسري” دعماً للتماسك الاجتماعي.
بهذه الطريقة، سيصبح للمشهد السياسي قانون واضح: “ألي مو في الكوزينة مايباتش بلا عشاء”، وهو مبدأ يمكن تعميمه ليصبح قاعدة للحكامة، توزَّع بموجبه الفرص الاقتصادية بتناوب عائلي أو مهني، فيما سيساهم حذف المصطلحات المزعجة في تخفيف الضغط النفسي على المسؤولين، ويمهّد لتحسين الصحة العامة… على الأقل صحة الأعصاب.
أما الشعب..فلا بأس أن يتفهم ان ظهور مصطلح رقابي جديد، لم يعد يطول عمره قبل أن يُقبر، وكأن الدولة تعتمد استراتيجية “الطمس الدوري للمفاهيم”، حتى لا تبقى أي أداة لغوية يمكن أن تُستعمل لفضح التجاوزات. وفي غياب المصطلحات، ستصبح الظواهر نفسها بلا اسم، وبالتالي بلا نقاش، وهو شرط مثالي لتسيير بلا ضجيج.
اصحاب البطون السمينة يزعجهم اختراع مصطلحات جديدة تذكرهم بربط المسؤولية بالمحاسبة فعلاً لا شعاراً…غير أن السخرية تكشف ما تخفيه التحليلات الجافة: هناك إرادة — ولو غير معلنة — لجعل تضارب المصالح أمراً “مفهوماً”، بل وربما “مقبولاً”، ما دام ينسجم مع منطق واقع يُبنى على المصالح لا على المبادئ.
وعليه ..يصبح السؤال الحقيقي ليس: “كيف نحذف مصطلح تضارب المصالح؟” بل: “كيف أصبح تضارب المصالح هو القاعدة، فيما تحوّل الحديث عنه إلى الاستثناء …
طيب ..سنذهب الى أبعد حد في الاقتراح.. حيدو تضارب المصالح… تحت شعار ” خيرنا مايدّيه غيرنا ” ولتُعلن الحكومة إذن عن “ميثاق وطني جديد” عنوانه: الفرصة لمن سبق، وملخصه: المصلحة للجماعة… إذا كانت الجماعة هي العائلة. وبهذا، يمكن أن نضع حدّاً نهائياً لهذا الإزعاج اللفظي الذي يسمى “تضارب المصالح”، ونعوضه بمفهوم أكثر انسجاماً مع الواقع: “تناسق المصالح”، حيث ينتظم المال العام والخاص في تناغم بديع، يتنقل فيه الامتياز من الأخ المسؤول إلى الصهر، ومن الصهر إلى زوجة الأب …،في سلسلة حبّ تُدرّ الربح للجميع… باستثناء الشعب طبعاً الذي يكتفي بمتابعة العرض من الصفوف الخلفية.


















