المحروقات في المغرب… تحريرٌ على مقاس المصالح

منذ ساعتين
المحروقات في المغرب… تحريرٌ على مقاس المصالح

بقلم / فتح الله حافظي

في المغرب، لم تعد قضية المحروقات مجرد نقاش اقتصادي، بل تحولت إلى عنوان صارخ لفشلٍ مُقنَّع بخطاب “الإصلاح”. الأرقام المرتفعة ليست قدَرًا، بل نتيجة قرار سياسي واضح: تحرير السوق دون حماية، ورفع يد الدولة حين كان المواطن في أمسّ الحاجة إليها.
لكن الأكثر فجاجة ليس في القرار نفسه، بل في أصحابه. أولئك الذين قدّموا “تحرير المحروقات” كفتح اقتصادي مبين، كخيار حداثي لا رجعة فيه، وكدرس في الشجاعة السياسية… هم أنفسهم اليوم من يشتكون من غلاء الأسعار، ويطالبون بتدخل الدولة لتسقيفها! أي سقوط هذا؟ وأي استخفاف بعقول الناس؟
لم يكن ذلك التحرير خطأ تقنيًا عابرًا، بل كان قرارًا واعيًا بكل نتائجه. كانوا يعلمون أن السوق في غياب منافسة حقيقية سيتحول إلى مجال لتضخم الأرباح. كانوا يدركون أن رفع الدعم دون بدائل اجتماعية سيُحمّل الكلفة مباشرة للمواطن. ومع ذلك مضوا في القرار، ثم اختفوا خلف لغة تقنية باردة حين بدأت الفاتورة تُعرض على الشعب.
واليوم، يعودون بخطاب مغاير، وكأنهم لم يكونوا أصل الحكاية. يطالبون الدولة بالتدخل، بالتسقيف، بالمراجعة… وكأن الدولة كانت غائبة من تلقاء نفسها، لا بقرارهم هم. هذا ليس تناقضًا فقط، بل محاولة لإعادة كتابة المسؤولية: تحويل الفاعل إلى مُعلّق، وصانع القرار إلى ناقد له.
في هذه الأثناء، تستمر الحلقة نفسها: شركات تحقق أرباحًا مريحة، ضرائب تُثقل السعر، ومواطن يؤدي الكلفة كاملة. أما “دعم النقل المهني” فليس إلا مسكنًا ظرفيًا، يشتري بعض الهدوء دون أن يقترب من جوهر المشكل. إنه تدبير يُبقي البنية كما هي، ويؤجل الانفجار فقط.
قارنوا الوضع بدول مثل الجزائر أو السعودية حيث تُستعمل الموارد لحماية المستهلك، أو حتى بدول غير نفطية مثل مصر وتونس حيث تظل الأسعار أقل رغم الإكراهات. في المغرب، المواطن هو الحلقة الأضعف… والأكثر أداءً.
الحقيقة التي يُراد التهرب منها بسيطة: من حرر سوق المحروقات دون شروط، دون ضوابط، ودون حماية، يتحمل المسؤولية الكاملة عمّا نعيشه اليوم. لا يكفي أن يرفع صوته الآن مطالبًا بالتدخل، لأن هذا الصوت يأتي متأخرًا… وبعد أن استفاد من صمته حين كان القرار يُصنع.
ما نعيشه ليس أزمة أسعار فقط، بل أزمة مصداقية. أزمة قرار سياسي يُتخذ باسم الإصلاح، ثم يُترك المجتمع ليتحمل نتائجه، قبل أن يعود أصحابه للتنصل منه حين تشتد الكلفة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إزعاجًا: هل كان “تحرير المحروقات” إصلاحًا فاشلًا… أم نجاحًا كاملًا، لكن ليس لصالح من يدفعون الثمن؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة