القلم الأحمر… حين يكون الموقف أثمن من الامتياز

منذ 4 ساعات
القلم الأحمر… حين يكون الموقف أثمن من الامتياز

كتبه / فتح الله حافظي

أن تكون من حملة القلم الأحمر أفضل بكثير من الاقتيات على دعم غير مستحق ( شرح الواضحات من المفضحات ) مقابل تلميع صورة والانخراط في جوقة المادحين، لأن الفرق بين الاثنين ليس في الأسلوب، بل في الجوهر؛ ليس في اللغة، بل في الموقف.
في الحالة الأولى، يكون القلم موقفًا قبل أن يكون أداة. يُكتب به ما يجب أن يُقال، لا ما يُراد سماعه. ينحاز للحقيقة ولو كانت مُكلفة، ويقف في وجه التيار حين يصبح الصمت تواطؤًا. القلم الأحمر ليس لونًا للزينة، بل إعلان صريح بأن هناك خللًا، وأن وظيفة الكتابة ليست تزيين الواقع، بل تعريته.
أما في الحالة الثانية، فالقلم يتحول إلى مرآة مزيفة، تعكس ما يُطلب منها لا ما هو قائم. يصبح الصوت تابعًا، والنبرة خاضعة، والموقف قابلًا للتعديل وفق حجم الامتيازات. هناك، لا يُقاس الرأي بمدى صدقه، بل بمدى قربه من مصادر العطاء. يرتفع الإيقاع بزيادة مبلغ العطايا، ويخفت كلما انخفض منسوب “الدعم”، وربما ينقلب في الاتجاه المعاكس ب 180 درجة.
المشكلة أن هذا الانزلاق لا يُفسد فقط صاحب القلم، بل يُربك المجال كله. حين تختلط الأصوات الصادقة بأصوات مدفوعة، يصبح من الصعب على القارئ أن يميز بين النقد الحقيقي والتسويق المقنع. وتتحول الساحة من فضاء للنقاش إلى سوق للولاءات، حيث تُباع المواقف وتشترى، وتُقاس الجرأة بسعرها لا بقيمتها.
القلم الأحمر، في جوهره، ليس عداءً لأحد، بل وفاءٌ لفكرة. هو التزام بأن الحقيقة لا تحتاج إلى وسطاء، وأن النقد ليس خيانة، بل شرطًا من شروط الإصلاح. هو إيمان بأن المؤسسات لا تُقوّى بالتصفيق، بل بالمساءلة، وأن الصورة لا تُجمَّل بالمديح، بل تُصحَّح بالمكاشفة.
قد يكون الطريق الأول شاقًا، عديم الامتيازات، مليئًا بسوء الفهم وربما بالعزلة. لكنه، في النهاية، الطريق الوحيد الذي يحفظ للكاتب كرامته، وللكلمة معناها. أما الطريق الثاني، فمغري في ظاهره، سريع المكاسب، لكنه يستهلك صاحبه ببطء، حتى يصبح صوته نسخة باهتة من غيره، بلا أثر ولا مصداقية.
في زمن تتضخم فيه الضوضاء، يصبح القلم الأحمر ضرورة لا ترفًا. لأن المجتمعات التي تُقصي النقد، وتكافئ التطبيل، لا تُنتج إلا هشاشة مضاعفة، وصورًا لامعة تخفي فراغًا عميقًا.
وللذين سبقونا في هذه المعركة، نقول بفخر: الحرس القديم كان يكتب بالواضح، لا بالمزمور. كتب يوم كان للكلمة ثمن باهض، ولم يخشَ أحدًا إلا الحقيقة نفسها. نحن نحمل شعلة ذلك الانتماء، ونعلم أن الكلمة الصادقة، ولو دفعت ثمنها غاليًا، تبقى وحدها خالدة.
وفي النهاية، يبقى السؤال بسيطًا وحاسمًا: هل نكتب لنقول ما نؤمن به، أم لنحصل على ما يُعرض علينا؟
الجواب، في الحالتين، لا يُقاس بما نكسبه… بل بما نخسره.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة