“العمران” تحت قبة البرلمان: أسئلة متكررة تكشف أزمة الحكامة والملفات الساخنة

18 مارس 2026
“العمران” تحت قبة البرلمان: أسئلة متكررة تكشف أزمة الحكامة والملفات الساخنة

كلاش بريس / الرباط

لم يعد حضور مجموعة مجموعة العمران داخل النقاش العمومي مرتبطاً فقط بأدوارها في إنجاز مشاريع السكن، بل أصبح اسماً يتردد بشكل متكرر تحت قبة مجلس النواب المغربي، حيث تحولت المؤسسة إلى واحدة من أكثر الفاعلين العموميين إثارة للأسئلة البرلمانية خلال السنوات الأخيرة.

هذا التراكم في الأسئلة، سواء الشفوية أو الكتابية، لا يمكن قراءته كحركية رقابية عادية، بل يكشف عن قلق سياسي متنامٍ من طريقة تدبير مؤسسة يفترض فيها أن تكون الذراع التنفيذي للدولة في تنزيل سياسة السكن، فإذا بها تتحول في نظر عدد من البرلمانيين إلى عنوان لاختلالات متكررة، تتغير عناوينها وتبقى جوهرها واحداً: الحكامة.
اللافت في هذا المسار هو أن مساءلة العمران لم تعد حكراً على المعارضة، بل امتدت إلى مختلف الفرق، ما يعني أن المؤسسة فقدت ذلك “الغطاء السياسي الضمني” الذي غالباً ما تستفيد منه المؤسسات العمومية الكبرى.

فحين يلتقي نواب من توجهات متباينة على طرح نفس الأسئلة—حول تعثر المشاريع، أو غموض الصفقات، أو طريقة تدبير العقار—فإن الأمر يتجاوز المزايدة السياسية إلى ما يشبه الإجماع الضمني على وجود خلل بنيوي.

في قلب هذا الجدل، يبرز ملف العقار كأكثر النقاط حساسية. فالعقار العمومي ليس مجرد رصيد تقني، بل هو رهان اقتصادي وسيادي، وأي شبهة في طريقة تفويته أو إعادة توجيهه تفتح الباب أمام أسئلة ثقيلة: من يحدد القيمة؟ وعلى أي أساس يتم الاختيار؟ ولماذا تتحول بعض الأوعية، بعد تفويتها، إلى مشاريع أكثر ربحية بشكل يطرح شبهة استغلال معلومات أو نفوذ؟ هذه الأسئلة لم تعد تطرح في الهامش، بل أصبحت تُواجه بها الحكومة بشكل مباشر داخل البرلمان.

بالموازاة مع ذلك، يطفو ملف تعثر المشاريع كوجه آخر للأزمة. فالتأخر في الإنجاز لم يعد حالة استثنائية، بل تحول في نظر عدد من النواب إلى سلوك شبه ممنهج، ينعكس مباشرة على فئات اجتماعية انتظرت لسنوات الاستفادة من سكن لائق. هنا يتقاطع الاجتماعي بالسياسي: مؤسسة يفترض أن تساهم في تقليص الفوارق، تجد نفسها متهمة بتكريسها، أو على الأقل بالعجز عن معالجتها بالسرعة والنجاعة المطلوبتين.

ولا يقل ملف الصفقات العمومية حساسية، إذ يثير بدوره تساؤلات حول مدى احترام قواعد المنافسة والشفافية. فحين تتكرر الأسئلة حول نفس الإشكالات، يصبح الصمت أو الأجوبة العامة غير كافيين، ويتحول النقاش إلى مساءلة أعمق لمنظومة اتخاذ القرار داخل المؤسسة، وليس فقط لنتائجها.

ما يزيد من حدة هذا النقاش هو تزامنه مع تقارير رقابية وتصريحات سياسية تعيد طرح نفس الملاحظات بصيغ مختلفة، ما يعطي الانطباع بأن هناك فجوة قائمة بين الخطاب الرسمي حول إصلاح القطاع، والواقع الذي تعكسه الأسئلة البرلمانية

. هذه الفجوة هي التي تُغذي الشك، وتمنح النقاش طابعاً تصعيدياً داخل البرلمان وخارجه.

الرهان اليوم لم يعد فقط في تقديم أجوبة ظرفية داخل الجلسات البرلمانية، بل في القدرة على استعادة الثقة. لأن أخطر ما تكشفه هذه الأسئلة المتكررة ليس فقط وجود اختلالات، بل ترسخ قناعة لدى جزء من الفاعلين السياسيين بأن هذه الاختلالات لم تعد استثناء، بل أصبحت جزءاً من طريقة الاشتغال.

وفي مثل هذه الحالات، لا يكفي التدبير، بل يصبح الإصلاح ضرورة سياسية قبل أن يكون خياراً تقنياً.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة