كلاش بريس / قسم التحرير
يعاني تدبير الشأن المحلي في عدد كبير من الجماعات الترابية بالمغرب من أزمة صامتة، عنوانها العريض: الخصاص الحاد في الموارد البشرية. أزمة لا تقل خطورة عن ضعف الميزانيات أو هشاشة البنيات التحتية، لكنها غالباً ما تُهمَل رغم أثرها المباشر على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
المشكل يبدأ من غياب سياسة واضحة ومستدامة في التوظيف داخل الجماعات، حيث توقفت عجلة التوظيف لسنوات طويلة أو أصبحت محدودة بشكل لا يواكب حجم الحاجيات المتزايدة. وفي المقابل، تستمر موجة الإحالة على التقاعد في استنزاف ما تبقى من أطر وموظفين، دون أي تعويض يُذكر، ما يخلق فراغاً إدارياً حقيقياً داخل المصالح الجماعية.
هذا الخصاص لا يقتصر فقط على العدد، بل يمتد إلى نوعية الكفاءات أيضاً. فعدد من الجماعات، خاصة القروية منها، تفتقر إلى مهندسين وتقنيين وأطر إدارية مؤهلة، ما ينعكس سلباً على إعداد المشاريع وتتبعها وتنفيذها. والنتيجة: تعثر في إنجاز الأوراش، بطء في معالجة الملفات، وتراجع في مستوى الخدمات الأساسية التي ينتظرها المواطن.
في الواقع، تجد موظفاً واحداً يقوم بمهام متعددة تتجاوز اختصاصه، في غياب توزيع عادل للأدوار أو تأطير إداري فعال. هذا الضغط المستمر لا يؤثر فقط على مردودية العمل، بل ينعكس أيضاً على نفسية الموظف، ويُضعف من جاذبية العمل داخل الجماعات الترابية.
كما أن غياب التحفيزات، سواء المادية أو المعنوية، يزيد من تعقيد الوضع. فكيف يمكن استقطاب كفاءات شابة للعمل في جماعات تعاني أصلاً من ضعف الإمكانيات، ولا توفر ظروف عمل مشجعة أو آفاقاً مهنية واضحة؟
إن استمرار هذا الوضع يهدد فعلياً مسار التنمية المحلية، ويجعل الحديث عن الجهوية المتقدمة وربط المسؤولية بالمحاسبة مجرد شعارات تصطدم بواقع إداري هش. فالتنمية لا يمكن أن تتحقق بدون موارد بشرية كفؤة ومؤهلة، قادرة على حمل المشاريع وتنزيل السياسات العمومية على أرض الواقع.
اليوم، أصبح من الضروري إعادة النظر في منظومة التوظيف داخل الجماعات، عبر فتح مناصب شغل كافية، وتعويض المتقاعدين بشكل فوري، مع اعتماد آليات حديثة في التدبير والتكوين المستمر، وتحفيز الكفاءات على الالتحاق بالعمل الجماعي.
فالرهان الحقيقي ليس فقط في بناء الطرق أو إطلاق المشاريع، بل في بناء إدارة محلية قوية، قادرة على مواكبة تطلعات المواطنين وتحقيق تنمية عادلة ومستدامة.


















