التدريس بالفرنسية… سياسة تُنتج الهدر المدرسي بصمت

منذ ساعتين
التدريس بالفرنسية… سياسة تُنتج الهدر المدرسي بصمت

كلاش بريس / قسم التحرير

تدريسُ المواد العلمية باللغة الفرنسية في المرحلتين الإعدادية والثانوية لم يعد مجرد خيارٍ بيداغوجي عادي، بل اصبح قرارا يُثقل كاهل آلاف التلاميذ ويدفع بالكثير منهم نحو الهدر المدرسي في صمتٍ مُقلق.

كيف يُعقل أن يتلقى التلميذ تعليمه لسنواتٍ باللغة العربية، يكتسب بها المفاهيم الأساسية، ويُبني بها رصيده المعرفي، ثم يُفاجأ فجأة بفرض لغةٍ أخرى لفهم الرياضيات والفيزياء وعلوم الحياة والأرض؟ أليس في ذلك ارتباكٌ تربوي واضح؟ أم أن المدرسة تحوّلت من فضاءٍ للتعلم إلى آليةٍ للفرز والإقصاء؟

المشكل الحقيقي لا يكمن في قدرات التلاميذ، بل في هذا الحاجز اللغوي المصطنع. كم من تلميذٍ يفهم الدرس لكنه يعجز عن استيعابه بسبب اللغة؟ وكم من تلميذةٍ تمتلك المؤهلات، لكنها تفقد الثقة في نفسها أمام مصطلحاتٍ غريبة تُربكها في كل حصة؟ هنا يبدأ التراجع، ويتسلل الإحباط، وتخبو الرغبة في التعلم، حتى يصبح الانقطاع عن الدراسة خياراً مفروضاً لا إرادياً.

المدافعون عن هذا التوجه يبررونه بكون الفرنسية “لغة العلوم” و”مفتاح الانفتاح”، غير أن الواقع يكشف مفارقة صارخة: بدل أن تُقرّب اللغة المعرفة من التلميذ، تُحوّلها إلى عبءٍ ثقيل، وبدل أن تفتح له الآفاق، تُغلق في وجهه أبواب الفهم.

إن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن اللغة يجب أن تكون وسيلةً للتيسير لا أداةً للتعقيد. فإذا تحوّلت إلى عائقٍ أمام التعلم، فإن الأمر لم يعد مسألة اختيارٍ لغوي، بل أصبح خللاً عميقاً في المنظومة التعليمية يستدعي مراجعةً جريئة ومسؤولة.

فلا يمكن بناء تعليمٍ متين على أساسٍ لغويٍ مرتبك، ولا يمكن مطالبة التلميذ بالنجاح وهو يصارع لفهم لغة الدرس قبل مضمونه. إن إنقاذ المدرسة يبدأ من هنا: من إعادة الاعتبار للغةٍ تُقرّب الفهم، وتُعيد للتلميذ ثقته، وتمنحه فرصةً حقيقية للتعلم بدل الإقصاء.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة