كتب المقال / فتح الله حافظي
السيدة المديرة،
كنت قد قررت، منذ رسالتي المفتوحة الأخيرة، المنشورة في السادس من مارس الجاري، أقول قررت عن قناعة ونزولًا عند طلب صديق عزيز خَبِرَ دواليب الإدارة ودهاليزها، أن أتغافل عن هذا الموضوع وأطوي صفحته، ولو إلى حين.
لكن جوابك الأخير، حين استُفسرتِ حول الملف، لم يترك لي خيارًا سوى العودة إلى الكتابة مجددًا، هذه المرة بلغة واضحة وصارمة لا تقبل التأويل.
لقد نسبتِ “الصداع” إلى شخصي، وقلتِ صراحة إن فلانًا—مع ذكر اسمي كاملًا—هو “اللي منوّض عليا الصداع”. وهنا يصبح لزامًا التصويب: لستُ من يُحدِث الصداع، بل الحق المؤجل هو من يفعل. أما أنا، فمجرد صاحب حق يرفض أن يتحول إلى رقم صامت في سجل النسيان الإداري، ومن اختار ذلك من المتضررين فذاك شأنه.
لأكون واضحًا معك،فالمطالبة بالحق، والصداع الناتج عن التأجيل والتسويف، شيئان منفصلان تمامًا.
حق المستحقات المترتبة عن المادة 89 واضح، قانوني، ولا يحتاج سوى إرادة صريحة وحسم مباشر، كما فعل مدراء ومديرات في مديريات أخرى أنهوا الملف دون مبررات مطاطة أو آجال مفتوحة.
أما وصف هذا الحق بـ“صداع الرأس”، فهو اختراع إداري لا علاقة له بالواقع، بل انعكاس لحالة تسويف مزمنة، يتم التعامل معها بمنطق “قويلبات دوليبران” كمسكن مؤقت، في ربط عبثي بين الحق والتأجيل: “قويلب” هنا، و وعد هناك… والنتيجة؟ لا الحقوق استُرجعت، ولا الصداع اختفى.
ولأكون صريحًا: الصداع الحقيقي رمته الوزارة في ملعبك، وكان يمكن أن يُسجَّل لك موقف يُحترم لو قلتِ بوضوح: “هذا مشكل الوزارة والأكاديمية، والحل عندهما”.
لكن بدل ذلك، تم تحميل صاحب الحق مسؤولية “الإزعاج”، وكأن المطالبة بحق مشروع أصبحت فعلًا خارجًا عن اللياقة الإدارية.
إن استمرار هذا المنطق يجعل المطالبة بالحق مغامرة، ويضع صاحبها في موقع المتهم، فقط لأنه لم يصمت. وفي المقابل، يُحتفى بالصمت كفضيلة، ويُسوَّق التأجيل كخطة عمل، طالما أن “المسكن” يبدو ناجعًا على الورق.
الحقوق لا تتعب… الذي يتعب هو أصحابها. لكنهم، عاجلًا أم آجلًا، يختارون طرقًا أخرى لضمان عدم ضياعها. طرق قد تكون أكثر “إزعاجًا”، نعم، لكنها ضرورية حين تفشل اللغة الهادئة في تحقيق الحد الأدنى من الإنصاف.
الأخطر من ذلك، أن تحويل المطالبة إلى “صداع” يكرّس ثقافة معيبة: ثقافة تعتبر المطالب مشاغبًا، وتمنح الأفضلية لمن يصمت. وهي ثقافة، إن ترسخت، لا تسيء للأفراد فقط، بل تُضعف صورة الإدارة وتُفقدها ما تبقى من مصداقية.
في مديريات أخرى، تم حل الملف وانتهى “الصداع”.
وفي بنسليمان، ما زال قائمًا… ليس لأن الحق معقد، بل لأن التعامل معه كذلك.
وفي النهاية، لا يعود السؤال: من “يُنوّض الصداع”؟
بل: من يختار إطالته؟ ومن سيتحمل تبعاته حين تُفرض قواعد صارمة لا تقبل التأجيل ولا التسويف، وتُحمِّل المسؤولية كاملة لمن اختار تجاهل الحق؟
سأواصل هذا “الصداع”، إن اقتضى الأمر، بأساليب أكثر تصعيدًا. فما ضاع حق وراءه طالب، وذلك مبدأ تعلمناه في مدرسة النضال الكونفدرالي.
واسمحي لي، السيدة المديرة، أن أهمس في أذنك: أنتِ مخطئة. وقد يتحول هذا الخطأ إلى خطيئة إدارية، حين يعجز القرار عن التمييز بين حق مشروع و”إزعاج”، ويستمر التعنت رغم وضوح الالتزام الوزاري.
وتقبلي مني فائق الإصرار… لا الاعتذار…وكل تعنت من جانبك، سيقابل بالإصرار من جانبي…وبه وجب الإخبار والسلام.


















