أسواق الماشية بالمغرب… بين ضغط الكساب وهيمنة الوسطاء وتقلبات الأسعار

منذ ساعتين
أسواق الماشية بالمغرب… بين ضغط الكساب وهيمنة الوسطاء وتقلبات الأسعار

كلاش بريس / عمر الشاشي

تعيش أسواق الماشية بالمغرب، خلال هذه الفترة، على إيقاع تحولات واضحة تعكس واقعاً مركباً يجمع بين وفرة العرض من جهة، وتراجع القدرة الشرائية من جهة أخرى، في مشهد يتكرر عبر عدد من الأسواق الأسبوعية، ويكشف عن اختلالات بنيوية ما تزال تؤثر على توازن هذا القطاع الحيوي.

ففي العديد من “الرحبات”، يبدو المشهد للوهلة الأولى مطمئناً: أعداد مهمة من رؤوس الغنم، حركة نشيطة، ومظاهر حيوية توحي بدينامية اقتصادية. غير أن التعمق في تفاصيل السوق يكشف واقعاً مختلفاً، حيث يشتكي الكساب من ضغط مالي متزايد يجعله في موقع ضعف أثناء عملية البيع.

**الكساب… حلقة الإنتاج الأضعف**

الكساب، باعتباره الحلقة الأولى في سلسلة الإنتاج، يجد نفسه محاصراً بتكاليف متعددة لا تقبل التأجيل. من مصاريف العلف التي تعرف ارتفاعاً مستمراً، إلى تكاليف النقل، وأداء مستحقات الكراء داخل الأسواق، وصولاً إلى التزامات موسمية مرتبطة بدورات الفلاحة. هذه العوامل مجتمعة تدفعه إلى البحث عن السيولة بشكل مستعجل، ما يجعله مضطراً في كثير من الأحيان لبيع قطيعه بأثمان أقل من القيمة الحقيقية.

هذا الامر يعكس هشاشة البنية الاقتصادية للكساب الصغير والمتوسط، و يطرح إشكالية غياب آليات دعم فعالة تضمن له الحد الأدنى من الاستقرار، خاصة في الفترات التي تسبق المواسم الكبرى.

**الوسطاء… اللاعب الأكثر ربحاً**

في المقابل، يبرز “الشناق” أو الوسطاء كأحد أبرز المستفيدين من هذا الوضع. فهم يتحركون داخل السوق بخبرة وقدرة على التفاوض، مستغلين حاجة الكساب للسيولة، ليقوموا بشراء كميات مهمة من الماشية بأسعار منخفضة، قبل إعادة ضخها في السوق بهوامش ربح أكبر.

هذه الدينامية تجعل السوق في كثير من الأحيان غير متوازن، حيث تتراجع فرص البيع المباشر بين الكساب والمستهلك، ويتحول الوسيط إلى فاعل رئيسي يتحكم في جزء مهم من عملية التسعير.

**المستهلك… بين الترقب والحذر**

أما المستهلك، فيقف بدوره في موقع المتردد، خاصة في ظل تقلب الأسعار وعدم وضوح الرؤية. فالتراجع النسبي في بعض الفترات لا يعني بالضرورة استقراراً دائماً، بل قد يكون ظرفياً مرتبطاً بعوامل مرحلية، ما يدفع الكثيرين إلى تأجيل قرار الشراء أو الاكتفاء بالمراقبة.

كما أن تزايد الحديث عن المضاربات ودور الوسطاء يعزز نوعاً من الحذر لدى المواطنين، الذين أصبحوا أكثر وعياً بضرورة التحقق من الأسعار ومصادرها قبل الإقدام على الشراء.

**سوق يحتاج إلى تنظيم أعمق**

أمام هذه المعطيات، يبرز سؤال أساسي حول مدى حاجة أسواق الماشية إلى تنظيم أكثر فعالية، يضمن الشفافية ويحد من المضاربات، ويعيد التوازن بين مختلف المتدخلين. فغياب التأطير الكافي يفتح المجال أمام ممارسات غير متكافئة، يكون الخاسر الأكبر فيها هو الكساب، في حين يتحمل المستهلك في النهاية كلفة هذه الاختلالات.

إن واقع أسواق الماشية اليوم هو مرآة لوضع اقتصادي واجتماعي أوسع، تتداخل فيه عوامل الإنتاج والتوزيع والقدرة الشرائية، ويحتاج إلى مقاربة شمولية تعيد الاعتبار للمنتج، وتحمي المستهلك، وتضبط دور الوسيط في إطار واضح وعادل.

وفي انتظار ذلك، تبقى “الرحبة” فضاءً مفتوحاً لكل الاحتمالات، حيث تتحكم الحاجة في القرار، وتُرسم الأسعار بين من يبيع تحت الضغط، ومن يشتري بذكاء اللحظة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة