كلاش بريس / تساوت
في قلب سهل تساوت السفلى، حيث كانت الأرض يوماً تنبض بالحياة وتفيض أشجار الزيتون بثمارها، يقف الفلاح اليوم أمام واقع قاسٍ تختلط فيه مرارة الجفاف بثقل الديون المتراكمة. ففي لقاء جمع جمعيات موزعي مياه السقي بالمنطقة، عاد النقاش إلى نقطة حساسة تؤرق الفلاحين منذ سنوات، بعدما طالب مكتب الحوز، عبر ممثليه في الاجتماع، بضرورة أداء الديون السابقة كشرط أساسي للاستفادة من الدورات السقوية المقبلة.
غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته من زاوية التدبير الإداري والمالي، اصطدم بواقع ميداني أكثر تعقيداً، واقع يختصره الفلاح البسيط الذي وجد نفسه خلال سبع سنوات متتالية من الجفاف في مواجهة خسائر متراكمة أنهكت الأرض والإنسان معاً. فالأراضي التي كانت خضراء تحولت إلى مساحات قاحلة، والآبار التي كانت تسقي الحقول جفت أو ضعفت مردوديتها، بينما انهارت منظومة الإنتاج الفلاحي التي كانت تشكل مورد العيش الوحيد لآلاف الأسر القروية.
الأكثر إيلاماً في هذه الحكاية أن أشجار الزيتون، التي كانت رمز الاستقرار الفلاحي في المنطقة، لم تصمد أمام قسوة الجفاف. فقد اضطر كثير من الفلاحين إلى قطعها وبيعها حطباً للحمامات التقليدية، في مشهد مؤلم يعكس حجم الانكسار الذي عاشه العالم القروي خلال السنوات الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد فقدان لأشجار، بل كان فقداناً لسنوات من العمل والصبر والاستثمار في الأرض.
وفي ظل هذه الظروف، يطرح الفلاحون سؤالاً بسيطاً لكنه عميق الدلالة: كيف يمكن مطالبة فلاح بسيط بتسديد ديون متراكمة مقابل الاستفادة من دورة سقوية لأرض فقدت مقومات الإنتاج؟ وكيف يمكن الحديث عن استعادة النشاط الفلاحي دون التفكير في إجراءات تحفيزية تعيد الثقة للفلاح وتمنحه فرصة جديدة للوقوف على قدميه؟
إن الفلاح الصغير في تساوت السفلى لا يطلب المستحيل، بل يطمح فقط إلى فرصة عادلة للانطلاق من جديد. فبدل أن تتحول الديون إلى قيد إضافي يثقل كاهله، يمكن أن تتحول إلى مدخل لحل إنساني وتنموي إذا ما تم التفكير في إعفاء استثنائي منها أو على الأقل إعادة جدولتها بطريقة تراعي الوضعية الصعبة التي عاشها الفلاحون خلال سنوات الجفاف الطويلة.
كما أن إعادة الاعتبار للفلاح الصغير تعني أيضاً تشجيعه على إعادة غرس الأشجار وإحياء علاقته بالأرض التي شكلت عبر عقود مصدر رزقه وهويته. فالأرض التي تُترك بائرة اليوم يمكن أن تعود منتجة غداً إذا ما توفرت الظروف المناسبة والدعم اللازم، وهو ما يقتضي مقاربة واقعية تجمع بين متطلبات التدبير المالي وضرورات العدالة الاجتماعية.
إن المسؤولية اليوم لا تقتصر على جمعيات السقي أو الفلاحين وحدهم، بل تمتد إلى مختلف المتدخلين في تدبير الشأن الفلاحي بالإقليم. فالمطلوب هو التفكير بجدية في هذا الملف وفتح نقاش مؤسساتي مع وزارة المالية والجهات الوصية لدراسة إمكانية اعتماد صيغة إعفاء أو تسوية استثنائية للديون المتراكمة، أسوة ببعض برامج الدعم التي استفادت منها قطاعات فلاحية أخرى خلال السنوات الأخيرة.
ويبقى الأمل معقوداً على تدخل السلطات الإقليمية، وعلى رأسها السيد عامل الإقليم، من أجل مواكبة هذا المطلب المشروع والبحث عن حلول متوازنة تعيد الاعتبار للفلاح البسيط وتمنح أراضي تساوت السفلى فرصة جديدة للحياة. فالفلاح الذي صمد سنوات في مواجهة الجفاف يستحق اليوم أن يجد من يقف إلى جانبه، لا أن يواجه وحده عبء الديون وذاكرة الخسائر.


















