لماذا انسحبت النقابة الوطنية للتعليم من اللجنة التقنية؟”

منذ 5 ساعات
لماذا انسحبت النقابة الوطنية للتعليم من اللجنة التقنية؟”

عثمان باقة

في خضم التوتر الذي يطبع الساحة التعليمية، وما يرافقه من تعثر واضح في تنفيذ الالتزامات الحكومية، جاء انسحاب النقابة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل من أشغال اللجنة التقنية ليقرأ عند البعض كخطوة قطاعية محدودة، مرتبطة فقط بسياق التعليم. غير أن هذا التقدير، في عمقه، يجانب الصواب، لأنه يتجاهل البعد المركزي والاستراتيجي لهذا القرار، كما يتجاهل منطق الاشتغال التاريخي للكونفدرالية.

ذلك أن هذا الانسحاب لا يمكن فصله عن موقف مركزي واضح اتخذته الكونفدرالية، يتمثل في رفضها حضور أشغال لجنة إصلاح التقاعد، ومطالبتها الصريحة للحكومة بتأجيلها إلى حين انعقاد جولة أبريل من الحوار الاجتماعي. وهو موقف يعكس قناعة راسخة: لا معنى للجلوس حول طاولة “حوار” حول ملفات كبرى كالتقاعد، في ظل غياب حوار اجتماعي فعلي وشامل.

إن المفارقة الصارخة تكمن في أن الحكومة، التي تدعو إلى مناقشة ملفات استراتيجية، تظل في الآن نفسه رافضة أو مترددة في فتح حوار اجتماعي جدي ومسؤول. وهو ما يجعل من أي نقاش تقني أو جزئي مجرد التفاف على جوهر الأزمة، ومحاولة لتدبير الزمن الاجتماعي بدل حل الإشكالات الحقيقية.

من هنا، فإن انسحاب النقابة الوطنية للتعليم من اللجنة التقنية، رغم ما له من دوافع موضوعية مرتبطة بطبيعة هذه اللجنة المحدودة الصلاحيات، يتجاوز بكثير كونه موقفا قطاعيا. إنه، في جوهره، جزء من رسالة نقابية مشفرة، موجهة إلى من بيدهم القرار السياسي، أولئك الذين يمنحون “الضوء الأخضر أو الأحمر” لمسار الحوار الاجتماعي.
ولمن يفهم تاريخ الكونفدرالية منذ تأسيسها، فإن مثل هذه الإشارات ليست اعتباطية. فالكونفدرالية دأبت على توظيف لحظات معينة، خاصة تلك المرتبطة بدورات المجلس الوطني، لإعادة رسم موازين القوى وإعادة ترتيب أولويات الفعل النقابي. لذلك، فإن عبارة “للمجلس الوطني ما قبله وما بعده” ليست مجرد توصيف بل هي قاعدة في الفعل النقابي الكونفدرالي.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال البعد التحذيري في هذا المسار. فوزير الشغل الحالي، ومعه باقي مكونات الحكومة، سبق لهم أن عاينوا في تجارب قريبة كيف يمكن لتحولات صغيرة في التكتيك النقابي أن تتحول إلى ديناميات نضالية واسعة. والتاريخ القريب مليء بالدروس التي تؤكد أن تجاهل الإشارات النقابية، أو التقليل من دلالاتها، قد يفضي إلى تعقيد الأوضاع بدل احتوائها.

إن انسحاب النقابة الوطنية للتعليم، إذن، ليس فقط تعبيرا عن أزمة ثقة في الحوار القطاعي، بل هو أيضا امتداد لموقف مركزي يرفض تجزيء القضايا الاجتماعية الكبرى، ويدعو إلى إعادة الاعتبار للحوار الاجتماعي كمؤسسة للتفاوض الحقيقي، لا كآلية شكلية لتدبير الاختلاف.

وفي المحصلة، فإن من يعتقد أن هذا القرار معزول عن توجهات المركزية النقابية، يغفل طبيعة الفعل الكونفدرالي، الذي يشتغل بمنطق التراكم والإشارة والضغط المتدرج. وما يجري اليوم ليس سوى حلقة في مسار أوسع، عنوانه إعادة التوازن للعلاقة بين الدولة والحركة النقابية، وفرض احترام الالتزامات، والدفع نحو حوار اجتماعي حقيقي، يرقى إلى انتظارات الشغيلة المغربية. وفي الاخير لا تنسوا ان الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم هو نائب الكاتب العام الكونفدرالية الديمقراطية للشغل .

عثمان باقة الكاتب الإقليمي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالرباط

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة