كلاش بريس / خريبكة
في زمن تطغى فيه صور الصرامة على ملامح العمل الإداري والأمني، يبرز بين الفينة والأخرى مشهد إنساني بسيط، لكنه عميق في دلالاته، يعيد الثقة في القيم النبيلة التي يمكن أن يحملها رجل الأمن، ويؤكد أن وراء الزي الرسمي قلبًا نابضًا بالرحمة والكرامة.
في صباح هذا اليوم .. أمام مكتب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بخريبكة، وقف شرطي بزيه النظامي، يتولى تنظيم الزيارات ومراقبة حركة المرتفقين نحو هذا المرفق القضائي الحساس. بدا في هيئة رسمية تؤدي مهمتها كما تقتضيه القوانين، لكن ما لبث أن انكشف وجه آخر، وجه إنساني، لا يقل أهمية عن الجانب الأمني أو الوظيفي.
فجأة.. دخل رجل مسن مقعد، بادية عليه علامات الوهن والتعب، فوق كرسي متحرك …يكاد لا يقوى على الحركة. لم يتردد الشرطي لحظة، بل استقبله بابتسامة عريضة وعبارات ترحيب، وكأنه يستقبل أحد أقربائه لا مواطنًا غريبًا. قال له بلطف بعدما ساق به كرسيه المتحرك : نحو مكتب الانتظار “نجيب ليك الماء بارد؟”، جملة قصيرة لكنها تحمل دفئًا إنسانيًا كبيرًا.
لم يكتفِ الشرطي بذلك، بل رافق الشيخ إلى داخل المرحاض ، وساعده على قضاء حاجته في مشهد أثار إعجاب واحترام كل من حضروا الواقعة. فالرجل المسن لا يستطيع الوقوف بمفرده، ولا حتى التحرك بسهولة، لكن الشرطي لم يتردد، لم يتأفف، بل بادر بفعل كان يمكن أن يعتبر خارجًا عن نطاق وظيفته، لكنه نابع من صميم ضميره.
هذه اللحظة لم تكن مجرد تصرف عرضي، بل كانت تعبيرًا بليغًا عن أن رجل الأمن يبقى في النهاية إنسانًا قبل كل شيء، يحمل قلبًا يعرف معنى الرحمة، والتعاطف، والواجب الأخلاقي تجاه الآخر، خصوصًا إذا كان ذاك الآخر شيخًا ضعيفًا في حاجة إلى المساعدة.
من المهم أن نسلط الضوء على مثل هذه الصور المشرقة، التي تبعث الأمل في مؤسسة الأمن، وتؤكد أن احترام الكرامة الإنسانية لا يتنافى مع أداء الواجب، بل قد يكون جزءًا أصيلًا منه. فالشرطي ليس فقط حارسًا للنظام، بل أيضًا سندًا للمواطنين، خاصة للضعفاء والمحتاجين منهم.
مشهد الشرطي في المحكمة الابتدائية بخريبكة يعكس التربية والقيم التي يحملها رجال الأمن في صمت، دون عدسات ولا تغطيات إعلامية. ويمنحنا نموذجًا يجب أن يُحتذى، لا فقط في السلك الأمني، بل في كل الإدارات والمؤسسات التي تتعامل مع المواطنين بشكل يومي.
وفي زمن يسهل فيه توجيه الانتقادات، علينا أيضًا أن نتعلم ثقافة الاعتراف، وأن نقول للمحسن “أحسنت”، وأن نبرز الصورة الجميلة حين تظهر، كما فعل هذا الشرطي، بابتسامته، وتواضعه، وإنسانيته.
فشكرا لشرطي الوكيل ..


















