سطات… رئيسة المجلس و”بلية” الشكر المتكرر

8 أبريل 2026
سطات… رئيسة المجلس و”بلية” الشكر المتكرر

فتح الله حافظي

في سطات، لم يعد القارئ بحاجة إلى جهد كبير لالتقاط النغمة المتكررة في بلاغات رئيسة المجلس البلدي. هناك بنية جاهزة تكاد لا تتغير: إعلان عن مشروع، رقم يُلقى في الواجهة، ثم فقرة شكر مطوّلة تُغلق النص. ومع توالي البلاغات، لم يعد الأمر مجرد أسلوب، بل تحوّل إلى عادة راسخة؛ رئيسة المجلس الجماعي أصبحت “متعوية” على الشكر، إلى درجة “البلية”، فالبلاغ يبدو ناقصاً بدونه.

البلاغ الأخير يكرّس هذا المنحى بوضوح. فبدل أن يكون مناسبة لتقديم معطيات دقيقة حول الاتفاقية، يتحول إلى تمرين جديد في توزيع الامتنان، وعلى رأسه شكر عامل الإقليم. هنا لا يعود السؤال: هل يستحق الفاعلون الشكر؟ بل: لماذا أصبح الشكر لازمة لا يمكن “الفكاك” منها؟

الإجابة تكمن فيما تقوله هذه العادة أكثر مما تقوله الأرقام. حين يتكرر الشكر بنفس الإيقاع، فإنه يكشف عن تصور معين للسلطة: رئيسة تبحث عن تثبيت موقعها عبر القرب من المركز، لا عبر قوة قرارها المحلي. فشكر عامل الإقليم، بهذا التواتر، لا يبدو مجاملة بقدر ما يبدو إعلان تموقع دائم داخل علاقة عمودية، حيث تُستمد الشرعية من الأعلى بدل أن تُبنى من التفويض الشعبي.

من زاوية سياسية، هذا الانزلاق أخطر مما يبدو. لأنه لا يفرغ البلاغ من محتواه فقط، بل يفرغ السياسة المحلية من معناها. المجلس، المفترض فيه أن يكون فضاءً لاتخاذ القرار باسم المواطنين، يظهر كفاعل ثانوي يُسارع إلى الاعتراف بفضل غيره. ومع كل مرة يتكرر فيها هذا الشكر، تتراجع صورة المؤسسة المنتخبة كصاحبة قرار، وتتقدم صورة “السلطة الراعية”.

الأدهى أن هذه العادة تُربك مبدأ المحاسبة. حين يُشكر الجميع، تضيع الحدود بين المسؤوليات. من يُحاسَب إذا تعثر المشروع؟ المجلس أم من تم شكره؟ وحين تُقدَّم القرارات كإنجازات جماعية بلا تفاصيل، يصبح من السهل الاحتفاء بها، ومن الصعب مساءلتها.

البلاغ الأخير ليس استثناءً، بل استمرار لخطاب يفضّل الامتنان على التوضيح، والانسجام الظاهري على الصراحة السياسية. لكن المدن لا تُدار بمثل هذه “اللازمات”، ولا تُبنى بالعبارات الجاهزة. الثقة تُصنع من وضوح القرار، من دقة المعطيات، ومن جرأة تحمل المسؤولية.

في النهاية، يمكن تفهّم الشكر حين يكون في سياقه. لكن حين يتحول إلى عادة ثابتة، إلى توقيع لغوي لا يغيب، فإنه يكفّ عن كونه تعبيراً أخلاقياً، ويصبح مؤشراً سياسياً… مؤشراً على أن من يملك الكلمة في البلاغ، ليس بالضرورة من يملك القرار على الأرض.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة