سطات : “أنا والقائد كنشدو منيون”… حين تتحول إنجازات الغير إلى حصيلة للجماعة

منذ 5 ساعات
سطات : “أنا والقائد كنشدو منيون”… حين تتحول إنجازات الغير إلى حصيلة للجماعة

بقلم: فتح الله حافظي

في الذاكرة الشعبية المغربية حكاية صغيرة، لكنها تختزن قدرًا كبيرًا من الدلالة.
شاوش بسيط قصد بيت رجل ليخطب ابنته، وبعد تبادل عبارات المجاملة سأله الأب سؤالًا مباشرًا لا يقبل الالتفاف:
شحال هو الدخل ديالك؟

فأجاب الشاوش بثقة لا تخلو من طرافة:
“أنا والقائد كنشدو منيون.”
لم يكن الرجل يكذب تمامًا، لكنه لم يكن يقول الحقيقة أيضًا. لقد جمع دخله المتواضع بدخل القائد، ثم قدّم الرقم الكبير كما لو كان نصيبه الخاص من الدنيا.
تُروى هذه الحكاية عادةً للضحك، غير أنها تحمل في طياتها درسًا بليغًا في كيفية تضخيم الأرقام ونسبة ما ليس لك إلى رصيدك. ولعل هذا ما يجعلها تعود إلى الذاكرة كلما تعلق الأمر بطريقة تقديم بعض “الإنجازات” في تدبير الشأن العام.
وهذا تحديدًا ما يخطر بالبال اليوم ونحن نتابع ما يجري في سطات.
فقد خرجت رئيسة المجلس الجماعي تتحدث عن مشروع تهيئة الفضاء الخارجي لجامعة الحسن الأول بما يوحي أنه يدخل ضمن حصيلة المجلس الجماعي، بل وكأنه ثمرة مباشرة لتدبيرها للشأن المحلي. وما هي إلا لحظات حتى أخذت التدوينات والمقالات المخدومة تتكاثر، وارتفعت نبرة الاحتفاء، ووجدت جوقة المادحين الإيقاع المناسب لضرب البنادر احتفاءً بما يُقدَّم للرأي العام على أنه إنجاز جماعي.
غير أن القصة، حين تُروى كاملة، تبدو أقل احتفالية بكثير.
فالتداول حول هذا المشروع مع جامعة الحسن الأول ليس وليد اليوم، بل يعود إلى سنوات مضت. فقد كان هذا الورش مدرجًا ضمن اتفاقية التنمية الحضرية للمدينة 2015- 2019حين طُرحت فكرة تهيئة الفضاء الخارجي للمؤسسة الجامعية باعتبارها جزءًا من رؤية أوسع لتحسين محيط المدينة الجامعي وربطه بالنسيج الحضري( ضمن الشق المتعلق بتهيئة وإحداث الساحات العمومية).
بل إن الاتفاقية الإطار مع جامعة الحسن الأول وُقّعت خلال فترة الرئيس المعزول، في سياق نقاش محلي حول ضرورة العناية بمحيط الجامعة وتحويله إلى فضاء حضري يليق بمؤسسة أكاديمية يفترض أن تكون إحدى واجهات المدينة.
ومنذ ذلك الحين ظل المشروع مطروحًا ضمن التداول المؤسساتي إلى أن أخذ طريقه نحو التفعيل في إطار شراكة بين عدد من المؤسسات.
أما المجلس الجماعي الحالي، فلم يتجاوز دوره في نهاية المطاف توقيع اتفاقية الشراكة المرتبطة بالمشروع، بينما يأتي التمويل الفعلي من وزارة الداخلية ومجلس جهة الدار البيضاء – سطات.
بل إن المتتبعين لمسار الملف يدركون ، ويؤكدون أن عامل إقليم سطات الحالي هو من اقترح من جديد ادراج المشروع ضمن برنامج التأهيل الحضري، ولعب دورًا أساسيًا في الترافع حول المشروع قصد تسريع وتيرة تفعيله وإخراجه إلى حيز الوجود بعد فترة من التداول والتأجيل.
بهذا المعنى، تبدو الصورة مختلفة كثيرًا عما تحاول بعض الخطابات الإيحاء به. فالمشروع ليس فكرة وُلدت في عهد رئيسة المجلس الحالية، ولا إنجازًا موّلته ميزانية الجماعة، بل هو نتيجة مسار أطول شاركت فيه مؤسسات متعددة، وكان لها الدور الحاسم في الدفع به نحو التنفيذ.
طبعا لا أحد يعترض على المشروع نفسه؛ فكل مبادرة من شأنها تحسين الفضاء الحضري للمدينة تبقى موضع ترحيب. غير أن الإشكال يبدأ حين يتحول إنجاز شاركت فيه مؤسسات متعددة إلى مادة دعائية، في إطار حملة انتخابية سابقة للأوان،تُقدَّم وكأنها حصيلة تدبير محلي خالص، وربما إنجاز شخصي.
وهنا يبرز سؤال أبسط من كل البلاغات:
ما هي أولويات المدينة فعلًا؟
فالمدن لا تُدار بمنطق الاقتراب من المشاريع ساعة الإعلان عنها، ولا بمنطق التقاط الصور عند الشروع في تنفيذها. المدن تُدار برؤية واضحة لما تحتاجه، وبقدرة حقيقية على ترتيب الأولويات، وبإرادة لتحمل نصيب من الجهد والكلفة في تحقيقها.
أما أن يُقدَّم مشروع بدأ التفكير فيه قبل أكثر من عقد، وكان مدرجًا في مخطط التنمية لسنة 2014، ووُضعت لبنته المؤسساتية الأولى عبر اتفاقية إطار في عهد سابق، وتم تمويله من طرف مؤسسات أخرى، ودُفع نحو التنفيذ بفضل ترافع السلطة الإقليمية… ثم يُقدَّم اليوم على أنه إنجاز تدبيري خالص للرئيسة الحالية، فذلك يعيدنا ببساطة إلى الحكاية الشعبية القديمة.
حكاية الشاوش الذي قال بثقة:
“أنا والقائد كنشدو منيون.”
قد يبدو الرقم كبيرًا…
لكن الحقيقة، في النهاية، أقل ضجيجًا بكثير.
ولعل هذه الحكاية، بكل بساطتها، تنطبق هنا بامتياز. ليس لأنها مجرد طرفة من تراث المجالس، بل لأنها تذكّرنا بقاعدة بسيطة في تدبير الشأن العام:
أن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى كثير من البنادر…
بل يحتاج فقط إلى الصدق في نسبته إلى أصحابه،
والدقة في رواية القصة كما حدثت فعلًا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة