عبد الحق غريب
أصدرت رئاسة جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، بتاريخ 17 مارس الجاري، بلاغا توضيحيا موجها إلى الرأي العام، بشأن عرض بعض الطلبة على المجالس التأديبية التي قررت الإقصاء النهائي في حق 21 طالبا وطالبة.. وهو القرار الذي أثار نقاشا واستغرابا واسعين داخل الأوساط الجامعية وخارجها.
وقبل تقديم قراءة سريعة لمضمون هذا البلاغ، وإبداء بعض الملاحظات والتساؤلات حول انعقاد هذه المجالس التأديبية وقراراتها التي أثارت كثيرا من الجدل، لا بد من التذكير ببعض المعطيات الأساسية.
من المعلوم، كما لا يخفى على أحد، أن المحاكم بالمغرب دأبت على إصدار أحكام متفاوتة في قضايا تتعلق بنفس الفعل أو التهمة، على الرغم من أن الأفعال تكون مؤطرة بنفس النصوص القانونية.
فبغض النظر عن طبيعة أي فعل أو تهمة، فإن الأحكام قد تختلف، بل قد تتباين، بين هيئات قضائية مختلفة رغم وحدة النص القانوني، سواء كانت الأفعال ذات خطورة محدودة أو بالغة الخطورة، وذلك تبعا لما تراه كل هيئة من ظروف وملابسات، ومن موجبات التخفيف أو التشديد، في إطار ما يتيحه القانون من تدرج في تحديد العقوبة.
أمام هذا المعطى، يُطرح التساؤل بخصوص ما جرى داخل جامعة ابن طفيل، حيث انعقدت خمسة مجالس تأديبية في خمس مؤسسات جامعية مختلفة في نفس اليوم والتوقيت (6 مارس 2026)، وأصدرت جميعها نفس القرار في حق 18 طالبا وطالبة.. ثم انعقدت مجالس أخرى بتاريخ 17 مارس 2026، وأصدرت نفس القرارات في حق 3 طلبة إضافيين، ليصل العدد الإجمالي إلى 21 طالبا وطالبة، قضت في حقهم قرارات بالإقصاء النهائي من الجامعة، فضلا عن إصدار قرار التوبيخ في حق طالبين.
كيف يمكن لمجالس مختلفة ومتفرقة، لكل منها استقلاليتها المفترضة وسلطتها التقديرية في اتخاذ القرار، أن تتوصل إلى نفس العقوبة وبنفس الصياغة، علما ان المرسوم رقم 2.06.619 الصادر في 28 أكتوبر 2008، والمتعلق بتأديب الطلبة، ينص على تدرج 8 عقوبات، بدءا بالإنذار (العقوبة رقم 1) وصولا إلى الإقصاء النهائي (العقوبة رقم 8)؟
بعبارة أخرى.. إذا أخذنا بعين الاعتبار اعتماد مبدأي التخفيف والتشديد، والسلطة التقديرية المخولة للمجلس التأديبي، وما يتيحه القانون من تدرج في تحديد العقوبة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه:
لماذا لم يصدر عن أي من هذه المجالس عقوبة أخرى غير الإقصاء النهائي (أقصى عقوبة)؟
إن هذا التماثل في القرارات، حتى مع افتراض تشابه الأفعال، واعتبارها تندرج ضمن المخالفات الجسيمة، كما جاء في البلاغ التوضيحي لرئاسة الجامعة، يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى احترام مبدأ تفريد العقوبة، واستقلالية الهيئات التأديبية، وحدود التقدير الفردي في اتخاذ هذه القرارات.
أما بالنسبة إلى البلاغ التوضيحي الصادر عن رئاسة جامعة ابن طفيل بخصوص عرض عدد من الطلبة على المجالس التأديبية، يبدو أن الرواية المقدمة تركز، في جانب منها، على توصيف الأفعال، دون أن يحسم ذلك في مدى كفاية هذه المعطيات لفهم جميع أبعاد وسياق هذه الأحداث بشكل متكامل ودقيق.
وما يثير الانتباه والاستغراب في هذا البلاغ هو تزامن صدور عدة بيانات وبلاغات في الاتجاه نفسه، سواء من طرف مكاتب محلية للنقابة الوطنية للتعليم العالي (بلاغ مشترك لخمسة مكاتب محلية)، أو الفرع الجهوي لنقابة الموظفين (CDT)، أو مجلس الجامعة، أو الشعب، أو من خلال شكايات وتقارير صادرة عن أطراف تعتبر نفسها متضررة.. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول سياق هذا الإجماع المتفرد وتوقيته.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن صدور تلك البيانات والبلاغات بمضامين متقاربة، وبالصيغة التي جاءت بها، قد يفتح باب التأويل لدى البعض لاعتبارها تمهيدا أو سياقا مهيئا لتطويق موجة الاحتجاجات داخل الفضاء الجامعي، سواء من خلال تدخلات أمنية أو عبر إجراءات تأديبية صارمة، وهو ما قد يُنظر إليه كمنعطف سلبي في تاريخ هذه الهيئات، خاصة النقابية منها.
وفي هذا الإطار، يظل من حق الرأي العام الجامعي طرح سؤال بسيط:
هل سبق لهذه الهيئات نفسها أن أصدرت بيانات بنفس الحدة بخصوص الإشكالات البنيوية التي تعرفها المؤسسات الجامعية؟ من قبيل الاكتظاظ، وضعف البنيات التحتية، وقلة المناصب، ومحدودية الميزانيات، واختلالات التسيير الإداري والمالي، ونقص التجهيزات والإمكانيات، خاصة المرتبطة بالأشغال التطبيقية داخل بعض المؤسسات ككلية العلوم، وغيرها من الإشكالات ذات الصلة؟
ختاما.. إن ما يُنتظر اليوم ليس فقط إصدار بلاغ توضيحي يسرد الأحداث من زاوية واحدة، ويقدم تبريرات ومعطيات قد تثير الشك أكثر من الاطمئنان وتزيد من الاحتقان، بل التحلي بالحكمة والتبصر من أجل إعادة الهدوء والاستقرار إلى الجامعة، عبر مراجعة هذه القرارات، وفتح حوار رصين يخدم مصلحة كافة الأطراف، حرصا على تبديد أي تأويل قد يفهم منه أن هذه القرارات كانت معدة مسبقا للحد من دينامية النضال التي تعرفها جامعة ابن طفيل حول القضايا الحيوية للجامعة، وعلى رأسها الدفاع عن مجانية التعليم واستقلالية الجامعة وسحب القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي.


















