كلاش بريس
يُعدّ الفحم الحجري من أقدم مصادر الطاقة التي اعتمد عليها الإنسان منذ الثورة الصناعية، ولا يزال إلى اليوم يُستخدم في توليد الكهرباء وتشغيل المصانع في عدد من دول العالم. غير أن هذا المصدر “الرخيص” للطاقة يخفي وراءه تكلفة صحية وبيئية مرتفعة، يدفع ثمنها الإنسان بشكل مباشر.
عند احتراق الفحم الحجري، تنبعث مجموعة من الغازات والجزيئات الدقيقة، من أبرزها ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين والجسيمات العالقة الدقيقة، إضافة إلى معادن ثقيلة مثل الزئبق. هذه المواد لا تختفي في الهواء، بل تتسلل إلى الجهاز التنفسي للإنسان، مسببة أضراراً خطيرة قد تتفاقم مع مرور الوقت.
أخطر ما في الأمر هو الجسيمات الدقيقة التي لا تُرى بالعين المجردة، لكنها قادرة على اختراق الرئتين والوصول إلى مجرى الدم. وقد ربطت دراسات طبية عديدة بين التعرض لهذه الملوثات وأمراض مثل الربو، والتهاب الشعب الهوائية، وأمراض القلب والشرايين، بل وحتى بعض أنواع السرطان، خاصة سرطان الرئة.
ولا تقتصر الأضرار على البالغين فقط، بل إن الأطفال وكبار السن يُعتبرون الأكثر عرضة للخطر. فالتعرض المستمر لدخان الفحم قد يؤثر على نمو الرئة لدى الأطفال، ويزيد من احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة في سن مبكرة. كما أن النساء الحوامل قد يتعرضن لمخاطر إضافية، مثل انخفاض وزن المواليد أو مضاعفات الحمل.
إلى جانب ذلك، يساهم الفحم الحجري بشكل كبير في تلوث الهواء، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية في المناطق القريبة من محطات توليد الطاقة أو المصانع التي تعتمد عليه. وفي بعض الحالات، قد يتحول الأمر إلى أزمة صحية جماعية، خاصة في المدن التي تعاني أصلاً من ضعف جودة الهواء.
ولا يمكن تجاهل التأثير غير المباشر للفحم الحجري على صحة الإنسان، من خلال مساهمته في ظاهرة التغير المناخي. فاحتراق الفحم يُعدّ من أكبر مصادر انبعاث ثاني أكسيد الكربون، ما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة وتفاقم الكوارث الطبيعية، التي بدورها تؤثر على الأمن الغذائي والصحي للسكان.
ورغم هذه المخاطر، لا يزال الاعتماد على الفحم مستمراً في عدة مناطق، بسبب تكلفته المنخفضة مقارنة بمصادر الطاقة الأخرى. غير أن التوجه العالمي اليوم يسير نحو تقليص استخدامه، والبحث عن بدائل نظيفة مثل الطاقة الشمسية والريحية، حفاظاً على صحة الإنسان والبيئة.
في النهاية، يبقى السؤال المطروح: هل تستحق الطاقة الرخيصة كل هذا الثمن الصحي؟ الواقع يؤكد أن الاستثمار في الطاقة النظيفة لم يعد خياراً بيئياً فقط، بل ضرورة صحية ملحة لحماية الإنسان من أخطار صامتة تتسلل مع كل نفس.


















