أرباب المقاهي والمطاعم مدينون لـ “غول الغابة”

17 ديسمبر 2025
أرباب المقاهي والمطاعم مدينون لـ “غول الغابة”

بقلم : سعيد عليد

وسط تصاعد الجدل حول واقعة أداء حقوق المؤلف في مقهى بتازة، بعد تشغيله لأغنية لفيروز، برزت حقيقة واحدة: أن المغاربة ما زالوا يفتقدون فهما دقيقا لحدود الاستعمال العمومي للمصنفات الفنية والأدبية والعلمية. حادثة بسيطة في ظاهرها، لكنها أعادت فتح ملفات معقدة حول الملكية الفكرية، والتدبير الجماعي للحقوق.

وبينما تضاربت الآراء، بدا واضحا أن النقاش يحتاج إلى تبسيط، وإلى إعادة ترتيب مفاهيم اختلط فيها القانون بالعاطفة، والمعلومة الصحيحة بالشائعة المتداولة – خصوصا مع تدفق سيل من التحليلات السطحية التي قدمها محللون متطفلون على مجال حقوق المؤلف، مما زاد المشهد غموضا وعمق منسوب التضليل لدى الرأي العام
.
وقد آثرنا عدم الاندفاع للحديث عن الموضوع لحظة اندلاعه، ولم نرغب في الانخراط ضمن الضجيج الأولي الذي غالبا ما يطمس الحقائق تحت وطأة الانفعال. آثرنا الانتظار ريثما تهدأ الساحة ويخفت صخب “الركوب على الموجة”، حتى يكون هذا المقال محاولة هادئة لتقديم توضيح سليم، بعيد عن التسرع، وعن التوظيف العاطفي أو التحليل المتعجل الذي شارك في تضليل الرأي العام بدل تنويره.

ولأن الغاية ليست إعادة إنتاج الصخب بل تفكيك أسبابه، سنفسح المجال لشرح الموضوع عبر طرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي تساعد على استجلاء الصورة كما هي، لا كما روج لها البعض. أسئلة نعتقد أن الإجابة عنها بهدوء ووضوح ستعيد وضع النقاش في سكته الصحيحة، وتكشف حقيقة ما جرى بعيدا عن المبالغات والمغالطات.

أولا: هل أرباب المقاهي والمطاعم ملزمون بأداء حقوق المؤلف؟

نعم، أرباب المقاهي والمطاعم ملزمون قانونيا بأداء حقوق المؤلف عند بثهم للموسيقى أو الأغاني أو حتى القرآن الكريم، داخل فضاء مفتوح للعموم (مقهى، مطعم، نادي ليلي، سيارة أجرة وأية وسيلة نقل عمومية، نادي رياضي، الجمعيات الترفيهية، فندق، ميناء، مطار، محلات تجارية، مكاتب محامين أو موثقين، قاعات الحفلات، دور الحضانة، المدارس، المحطات الطرقية وباحات الاستراحة، العيادات الطبية والبيطرية ومختبرات التحاليل، قاعات الحلاقة،… إلخ)، سواء لفنانين مغاربة أو أجانب كواقعة أغنية فيروز، لأن القانون المغربي – على غرار التشريعات الدولية – يفرق بوضوح بين الاستعمال الخاص للمصنفات داخل البيوت والسيارات الخاصة، وبين الاستعمال العمومي الذي يعتبر استغلالا تجاريا غير مباشر للمصنف الفني أو الأدبي. فبمجرد تشغيل أغنية في مقهى أو مطعم…، ولو عن طريق اليوتيوب أو غيرها من المنصات التي يتقاضى منها صاحب العمل الفني بصفة مباشرة أرباحه المالية، يعتبر ذلك “إبلاغا إلى العموم” واستغلالا تجاريا، يستوجب أداء مستحقات تحصل لفائدة المؤلفين كتاب الكلمات والملحنين والفنانين المؤدين عبر المكتب المغربي لحقوق المؤلفين والحقوق المجاورة، وهي ليست ضريبة حكومية كما يظن البعض، بل مقابل مالي لقاء استغلال عمل محمي. ويأتي الالتباس أساسا من ضعف الوعي القانوني لدى المهنيين، ومن الضوضاء التي أضافها بعض المحللين غير المتخصصين ممن قدموا معلومات مضللة ركبا على الموجة، في حين أن الإطار القانوني نفسه واضح ولا يحتمل الكثير من التأويل.

ثانيا: هل نكون ملزمين بالأداء حتى ولو كان العمل الفني أجنبي وقديما؟

نعم، يظل الالتزام قائما حتى لو كان العمل الفني أجنبيا أو قديما، ما دام ما يزال محميا بحقوق المؤلف وفق المدة القانونية التي يقرها التشريع المغربي وبناء على الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وهي طيلة حياة المؤلف وسبعون عاما بعد وفاته. وبذلك فإن أغلب الأعمال الكلاسيكية والفنية المتداولة – سواء كانت عربية أو أجنبية، ومنها بطبيعة الحال أغاني فيروز وأم كلثوم – لا تزال داخل نطاق الحماية ولا تعتبر ملكا عاما. وعليه، فإن بث هذه المصنفات داخل المقاهي والمطاعم يبقى خاضعا لواجب الأداء مهما بدا العمل “قديما”، ما دام المؤلف أو ورثته لم تنقض مدة حماية حقوقهم. أما ما تجاوز فعليا هذه المدة ودخل الملك العام، فيمكن استعماله دون أداء، إلا أن هذا لا ينطبق على القطاع الأكبر من الأعمال الشائعة اليوم، وهو ما يناقض الاعتقاد الخاطئ الذي يروجه البعض بأن “الأعمال القديمة لا حقوق لها”، وأن هذه الحماية تتعلق بزمن الكاسيط وCD وهو من أكثر المغالطات التي كرسها محللون غير ملمين بأساسيات الملكية الفكرية.

ثالثا: كيف يتم فرض التسعيرة وبناء على أية معايير؟

تحدد تسعيرة أداء حقوق المؤلف بناء على جدول رسمي صادر بمرسوم قانوني يربط بين مساحة الفضاء التجاري وبين قيمة المستحقات السنوية، وهو ما يمنح العملية طابعا مضبوطا لا يخضع للاجتهاد الشخصي. فالمحلات الكبيرة المستعملة للموسيقى الترويحية، مثل المقاهي الواسعة أو المطاعم الكبرى، تصنف ضمن درجات تتراوح مستحقاتها السنوية بين 1.200 و6.400 درهم؛ إذ تبدأ التعريفة من 1.200 درهم للفضاءات ذات المساحة الأصغر داخل الفئة، وترتفع تدريجيا إلى 1.600 ثم 2.400 و3.200 و4.000 و4.800 وصولا إلى سقف 6.400 درهم في أعلى الدرجات، وذلك حسب اتساع المساحة وزيادة عدد الزبائن المستفيدين من البث. أما الفضاءات المتوسطة فتتراوح مستحقاتها بين 600 و800 درهم سنويا، بينما تنخفض المبالغ لدى الفضاءات الصغيرة أو الأنشطة المحدودة لتبلغ ما بين 150 و400 درهم سنويا حسب الفئة. هكذا تظهر الأرقام أن التسعيرة مبنية على مبدأ التناسب بين حجم الفضاء وحجم الاستفادة من المصنفات الفنية، بعيدا عن الادعاءات التي تصورها كمبالغ موحدة أو عشوائية.

وما يطبق في المغرب هو نفسه المعمول به دوليا، وعلى رأسه فرنسا. فالقانون الفرنسي، عبر هيئة ـSACEM، يلزم المقاهي والمطاعم بأداء مستحقات عن بث الموسيقى داخل فضاءات مفتوحة للعموم، وفق معايير مشابهة تماما: مساحة المحل، وطبيعة النشاط، ومستوى الاستغلال. بمعنى أن أداء حقوق المؤلف ليس استثناء مغربيا، بل قاعدة عالمية راسخة في جميع الدول، والاختلاف يكمن في مستوى الوعي والتواصل حولها لا في المبدأ نفسه.

رابعا: هل حقوق المؤلف مرتبطة فقط بما هو موسيقى وفني؟

لا، حقوق المؤلف لا ترتبط فقط بما هو موسيقي أو فني، بل تشمل كل المصنفات الإبداعية على اختلاف أنواعها. فالقانون يحمي الكتب والكتابات الصحفية، والبرامج المعلوماتية، والرسوم والصور والخرائط، والأعمال السينمائية والمسرحية، والتسجيلات السمعية البصرية، بالإضافة إلى المصنفات الفنية والموسيقية. أي أن كل إنتاج ذهني يحمل طابعا إبداعيا يتمتع بالحماية القانونية، وليس الموسيقى سوى واحد من فروع هذا المجال الواسع.
وأكبر مغالطة تتكرر في النقاش العمومي والمؤسسي بالمغرب هي حصر حقوق المؤلف في “هشك بشك” الغناء والموسيقى والسينما والأفلام فقط، وكأن الملكية الفكرية لا تتجاوز ما يصدر عن مكبرات الصوت. والحقيقة أن حقوق المؤلف أوسع بكثير، فهي تشمل الكتب الأدبية والعلمية والمقالات الصحفية، والبرامج المعلوماتية والصور والرسوم والخرائط والفولكلور الشعبي والهندسة المعمارية…، وكل إنتاج ذهني يحمل طابعا إبداعيا. لكن لأن الجدل في الغالب يرتبط بالمقاهي وبث الموسيقى والأفلام، ترسخ لدى الكثيرين هذا الفهم الضيق، مما يسهم في خلق ارتباك كبير حول نطاق الحماية القانونية وطبيعة الحقوق التي تغطيها.

خامسا: ما هو مصير الأموال التي يجمعها المكتب المغربي لحقوق المؤلف؟

أخطر نقطة في أزمة المكتب المغربي لحقوق المؤلفين لا تتعلق بالتحصيل، بل بالتوزيع تحديدا، أي المرحلة التي يفترض أن تنصف المبدعين. فوفق تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2014، وليومنا هذا لا يتوفر المكتب على أي معايير رسمية أو موثقة لتوزيع المستحقات، ولم يصدر عنه ولو تقرير شفافية واحد لسنة محاسبية معينة، الأخطر أن المكتب ظل، لسنوات طويلة، يعتمد في توزيع جزء كبير من حقوق الموسيقى على لوائح جاهزة ترسلها شركة SACEM الفرنسية دون أن يعرف المكتب المغربي المعايير التقنية التي تحتسب على أساسها تلك النسب، ودون أن يقوم بأي تدقيق أو مراقبة للبيانات القادمة من الخارج. هذا الوضع جعل المكتب شبه عاجز عن التحقق من صحة أرقام البث والدقائق المحتسبة، وخلق تفاوتات صارخة في العائدات لمدة طويلة، ويتفاقم الوضع حسب التقرير بوجود 17 حسابا بنكيا للمكتب توزع عليها المداخيل دون قواعد محاسباتية منظمة، في ظل غياب سجلات مالية أساسية وغياب مراقبة مالية خارجية، فهل يتصرف المكتب في أموال حقوق المؤلفين تصرف بائع الحلوى في حلوته. فهذه الاختلالات ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل تمس جوهر مصداقية المكتب وقدرته على حماية حقوق المبدعين، وتفسر جزءا كبيرا من أزمة الثقة التي تحيط به، وتبرر- للأسف – وصفه بـ “غول الغابة”، الذي يتحرك بلا رؤية ولا مراقبة في حقل ثقافي يحتاج إلى مؤسسات قوية لا إلى كيانات مترهلة.

الكثير من الاختلالات البنيوية التي يعاني منها المكتب يجعل الأسئلة المتعلقة بالمصير الفعلي للأموال المحصلة والحجم الحقيقي لنسبة التحصيل ومن استفاد منها لسنوات طوال وبسخاء، وبناء على أية معايير، والكثير من الأسئلة الأخرى التي تتعلق بحقوق باقي أصناف المؤلفين المغضوب عليهم، بدون جواب واضح وصريح.

كاتب المقال “سعيد عليد”

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة