أبو بكر الصديق… حين يصنع الصدقُ التاريخ

20 فبراير 2026
أبو بكر الصديق… حين يصنع الصدقُ التاريخ

كلاش بريس / س بنقاور

يُعدّ موقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه في حروب الردة من أبرز الأحداث في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، إذ شكّل لحظة فاصلة كادت أن تغيّر مسار الدولة الإسلامية في بداياتها. فبعد وفاة النبي محمد ﷺ سنة 11 هـ، وجدت الأمة نفسها أمام تحديات خطيرة، حيث ارتدت بعض القبائل العربية عن الإسلام، وادعى آخرون النبوة، بينما أعلنت قبائل أخرى تمسكها بالصلاة ورفضها أداء الزكاة، معتبرة أنها كانت تؤديها للنبي فقط.

كان هذا الوضع ينذر بانقسام خطير قد يعصف بوحدة المسلمين، خاصة وأن الدولة الإسلامية كانت ما تزال فتية. وقد تردد بعض الصحابة، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بداية الأمر، في قتال من يشهد أن لا إله إلا الله ويقيم الصلاة، ولو امتنع عن الزكاة.

غير أن أبا بكر الصديق اتخذ موقفًا حاسمًا، ورأى أن الزكاة ركن من أركان الإسلام لا يجوز التفريق بينها وبين الصلاة، وأن التهاون في هذا الأمر سيفتح بابًا لتفكك الدولة وانهيار هيبتها.

وقال كلمته المشهورة التي خلدها التاريخ: “والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه”. وقد عبّر هذا القول عن ثباته وقناعته الراسخة بضرورة الحفاظ على أركان الدين كاملة دون انتقاص.
على إثر ذلك، جهّز أبو بكر الجيوش لمواجهة المرتدين، وأسند القيادة إلى عدد من كبار الصحابة، وفي مقدمتهم خالد بن الوليد رضي الله عنه، الذي خاض معارك حاسمة ضد مدّعي النبوة، وكان من أبرزهم مسيلمة الكذاب في معركة اليمامة. وقد انتهت هذه المواجهات بانتصار المسلمين وعودة معظم القبائل إلى الطاعة، مما أعاد للدولة تماسكها وهيبتها.
لقد مثّل هذا الموقف امتحانًا حقيقيًا لقيادة أبي بكر الصديق، وأثبت من خلاله قوة شخصيته وبعد نظره السياسي وحرصه على وحدة الأمة. ويجمع المؤرخون على أن حسمه في حروب الردة كان سببًا رئيسيًا في تثبيت أركان الدولة الإسلامية وتمهيد الطريق أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والامتداد، ليبقى هذا الحدث من أعظم المواقف التي خلدها التاريخ في سيرة الصديق رضي الله عنه.

أبو بكر الصديق هو عبد الله بن أبي قحافة التيمي القرشي، أول الخلفاء الراشدين وأحد أقرب الصحابة إلى النبي محمد ﷺ. وُلد في مكة بعد عام الفيل بنحو سنتين وستة أشهر تقريبًا، وكان من أوائل من آمنوا بالإسلام، بل يُعدّ أول من أسلم من الرجال الأحرار.

لُقّب بـ”الصديق” لأنه صدّق النبي ﷺ في حادثة الإسراء والمعراج حين كذّبه كثير من الناس، فكان مثالًا في الثبات والإيمان. رافق النبي في الهجرة إلى المدينة، وذكره القرآن في قوله تعالى: “إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا”، في إشارة إلى وجوده مع النبي في غار ثور.

بعد وفاة الرسول ﷺ سنة 11 هـ، بايعه المسلمون خليفةً لهم، فكان أول من تولّى الخلافة في الإسلام. واجه في عهده أخطر التحديات، وأبرزها حروب الردة، حيث ثبت على موقفه في قتال من امتنعوا عن أداء الزكاة حفاظًا على وحدة الدولة الإسلامية. كما بدأ في عهده إرسال الجيوش إلى خارج الجزيرة العربية، مما مهّد لمرحلة الفتوحات.

دامت خلافته نحو سنتين وثلاثة أشهر، وتوفي سنة 13 هـ، ودُفن بجوار النبي ﷺ في المدينة المنورة. ويُعدّ أبو بكر الصديق من أعظم الشخصيات في التاريخ الإسلامي، لما عُرف به من صدق وإخلاص وحكمة وثبات في المواقف الصعبة

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة